أحمد الشرباصي

36

موسوعة اخلاق القرآن

« الصفة الرابعة » : قوله : « وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ » . معناه : يعطون ما أعطوا ، فدخل فيه كل حق يلزم ايتاؤه ، سواء كان ذلك من حق الله تعالى ، كالزكاة والكفارة وغيرهما ، أو من حقوق الآدميين كالودائع والديون وأصناف الانصاف والعدل . وبيّن أن ذلك انما ينفع إذا فعلوه وقلوبهم وجلة ، لأن من يقدم على العبادة وهو وجل من تقصيره ، واخلاله بنقصان أو غيره ، فإنه يكون لأجل ذلك الوجل مجتهدا في أن يوفيها حقها في الأداء . وسألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : « وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ » : أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق ، وهو على ذلك يخاف الله تعالى ؟ ! . فقال عليه الصلاة والسلام : « لا يا ابنة الصدّيق ، ولكن هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ، وهو على ذلك يخاف الله تعالى » . واعلم أن ترتيب هذه الصفات في نهاية الحسن ، لأن الصفة الأولى دلت على حصول الخوف الشديد الموجب للاحتراز عما لا ينبغي ، والصفة الثانية دلت على ترك الرياء في الطاعات ، والصفة الثالثة دلت على أن المستجمع لتلك الصفات الثلاث يأتي بالطاعات مع الوجل والخوف من التقصير ، وذلك هو نهاية مقامات الصديقين ، رزقنا الله سبحانه الوصول إليها » . ويرى بعض المفسرين المعاصرين أن الآيات الكريمة السابقة فيها ابراز لصورة اليقظة والحذر في القلوب المؤمنة ، بعد ابراز صورة الغفلة والغمرة في القلوب الضالة ، فيسوق في تبيان ذلك العبارة التالية : « من هنا يبرز أثر الايمان في القلب ، من الحساسية والارهاف والتحرج ، والتطلع إلى الكمال ، وحساب العواقب ، مهما ينهض بالواجبات والتكاليف .